تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
90
محاضرات في أصول الفقه
والسبب في ذلك : أن تلك الأشياء بكافة سلاسلها التصاعدية وحلقاتها الطولية والعرضية خاضعة لمبدأ العلية ، ولا يمكن افتراض شئ بينها متحرر عن هذا المبدأ ليكون هو السبب الأول لها . فإذا لابد من انتهاء السلسلة جميعا في نهاية المطاف إلى علة غنية بذاتها لتقطع السلسلة بها وتضع لها بداية أزلية . مثلا : بقاء ظواهر الأشياء استند إلى بقاء عللها ، وهي الخاصية الموجودة في موادها من ناحية ، والقوة الجاذبية التي تفرض المحافظة عليها من ناحية أخرى ، وترتبط تلك الظواهر بهما ارتباطا ذاتيا ، فلا يعقل بقاؤها على وضعها بدونهما . ثم ننقل الكلام إلى عللها وهي تواجه نفس مسألة الافتقار إلى مبدأ العلية . . . وهكذا إلى أن تصل الحلقات إلى السبب الأعلى الغني بالذات المتحرر من مبدأ العلية . الثانية : أن ارتباط المعلول بالعلة الطبيعية يفترق عن ارتباط المعلول بالعلة الفاعلية في نقطة ، ويشترك معه في نقطة أخرى . أما نقطة الافتراق : فهي أن المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلة وينبثق من صميم كيانها ووجودها ، ومن هنا قلنا : إن تأثير العلة في المعلول يقوم على ضوء قانون التناسب . وأما المعلول في الفواعل الإرادية فلا يرتبط بذات الفاعل والعلة ، ولا ينبثق من صميم وجودها ، ومن هنا لا يقوم تأثيره فيه على أساس مسألة التناسب . نعم ، يرتبط المعلول فيها بمشيئة الفاعل وإعمال قدرته ارتباطا ذاتيا ، يعني : يستحيل انفكاكه عنها حدوثا وبقاء ، ومتى تحققت المشيئة تحقق الفعل ، ومتى انعدمت انعدم ( 1 ) . وعلى ذلك فمرد ارتباط الأشياء الكونية بالمبدأ الأزلي وتعلقها به ذاتا إلى ارتباط تلك الأشياء بمشيئته وإعمال قدرته ، وأنها خاضعة لها خضوعا ذاتيا وتتعلق بها حدوثا وبقاء ، فمتى تحققت المشيئة الإلهية بإيجاد شئ وجد ، ومتى
--> ( 1 ) قد تقدم في ص 56 - 57 فراجع .